فخر الدين الرازي

181

تفسير الرازي

من كراب الأرض ، وإلقاء البذر ، وسقي المبذور ، والزرع هو آخر الحرث من خروج النبات واستغلاظه واستوائه على الساق ، فقوله : * ( أفرأيتم ما تحرثون ) * أي ما تبتدئون منه من الأعمال أأنتم تبلغونها المقصود أم الله ؟ ولا يشك أحد في أن إيجاد الحب في السنبلة ليس بفعل الناس ، وليس بفعلهم إن كان سوى إلقاء البذر والسقي ، فإن قيل : هذا يدل على أن الله هو الزارع ، فكيف قال تعالى : * ( يعجب الزراع ) * ( الفتح : 29 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الزرع للزارع " قلنا قد ثبت من التفسير أن الحرث متصل بالزرع ، فالحرث أوائل الزرع ، والزرع أواخر الحرث ، فيجوز إطلاق أحدهما على الآخر ، لكن قوله : * ( يعجب الزراع ) * بدلاً عن قوله : يعجب الحراث ، يدل على أن الحارث إذا كان هو المبتدي ، فربما يتعجب بما يترتب على فعله من خروج النبات والزارع لما كان هو المنتهى ، ولا يعجبه إلا شيء عظيم ، فقال : * ( يعجب الزراع ) * الذين تعودوا أخذ الحراث ، فما ظنك بإعجابه الحراث ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " الزرع للزارع " فيه فائدة ، لأنه لو قال : للحارث فمن ابتدأ بعمل الزرع وأتى بكراب الأرض وتسويتها يصير حارثاً ، وذلك قبل إلقاء البذرة لزرع لمن أتى بالأمر المتأخر وهو إلقاء البذر ، أي من له البذر على مذهب أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه وهذا أظهر ، لأنه بمجرد الإلقاء في الأرض يجعل الزرع للملقى سواء كان مالكاً أو غاصباً . ثم قال تعالى : * ( لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) * . وهو تدريج في الإثبات ، وبيانه هو أنه لما قال : * ( أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ) * ( الواقعة : 64 ) لم يبعد من معاند أن يقول : نحن نحرث وهو بنفسه يصير زرعاً ، لا بفعلنا ولا بفعل غيرنا ، فقال تعالى : ولو سلم لكم هذا الباطل هذا الباطل ، فما تقولون في سلامته عن الآفات التي تصيبه ، فيفسد قبل اشتداد الحب وقبل انعقاده ، أو قبل اشتداد الحب وقبل ظهور الحب فيه ، فهل تحفظونه منها أو تدفعونها عنه ، أو هذا الزرع بنفسه يدفع عن نفسه تلك الآفات ، كما تقولون : إنه بنفسه ينبت ، ولا يشك أحد أن دفع الآفات بإذن الله تعالى ، وحفظه عنها بفضل الله ، وعلى هذا أعاده ليذكر أموراً مرتبة بعضها على بعض فيكون الأمر الأول : للمهتدين والثاني : للظالمين والثالث : للمعاندين الضالين فيذكر الأمر الذي لا شك فيه في آخر الأمر إقامة للحجة على الضال المعاند . وفيه سؤال وهو أنه تعالى ههنا قال : * ( لجعلناه ) * بلام الجواب وقال في الماء : * ( جعلناه أجاجاً ) * ( الواقعة : 7 ) من غير لام فما الفرق بينهما ؟ نقول : ذكر الزمخشري عنه جوابين أحدهما : قوله تعالى : * ( لو نشاء لجعلناه حطاماً ) * كان قريب الذكر فاستغنى بذكر اللام فيه عن ذكرها ثانياً ، وهذا ضعيف لأن